محمد جمال الدين القاسمي
348
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قالوا : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ . أي : من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 124 ] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ جملة حالية . و ( من ) الأولى زائدة عند الأخفش . وصفة عند سيبويه . أي : شيئا من الصالحات فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً أي : لا ينقص من حسناتهم قدر نقير . وهو النقرة التي على ظهر النواة . وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم . ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان . والراجع في وَلا يُظْلَمُونَ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا . وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلا على ذكره عند الآخر . وقوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وقوله وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله سبحانه بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [ البقرة : 81 ] وقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ عقيب قوله وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . تنبيه : ما قدمناه من أن الخطاب في قوله تعالى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ للمشركين وأن قوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي : من أهل الكتاب والمشركين - هو الذي يدل عليه سياق الآية ونظمها الكريم كما بينا . ورواه الطبريّ « 1 » عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن . قال الأولان رضي اللّه عنهما : ( السوء ) هاهنا هو الشرك . وقال الحسن : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً هو الكافر . ثم قرأ وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ . ولما كان لعموم هذا الخطاب روعة ، وأيّ روعة ، أشفق كثير من الصحابة لأجله . قال ابن كثير : وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من
--> ( 1 ) عن ابن عباس ، الأثر رقم 10518 ، وعن سعيد بن جبير ، الأثر رقم 10519 ، وعن الحسن ، الأثر رقم 10511 .